محمد جواد مغنية
334
في ظلال نهج البلاغة
تبادره المصائب . ومع كلّ جرعة شرق ، وفي كلّ أكلة غصص ولا ينال العبد نعمة إلَّا بفراق أخرى ، ولا يستقبل يوما من عمره إلَّا بفراق آخر من أجله . فنحن أعوان المنون ، وأنفسنا نصب الحتوف فمن أين نرجو البقاء وهذا اللَّيل والنّهار لم يرفعا من شيء شرفا إلَّا أسرعا الكرّة في هدم ما بنيا وتفريق ما جمعا . المعنى : عاد الإمام إلى حديث الدنيا والتحذير من أوبائها ، وكل الوعاظ يحذّرون منها ، والفرق ان تحذير أكثرهم أو الكثير منهم مجرد كلام للاستهلاك لا علاقة له بقلوبهم ولا بأعمالهم تماما كلسان الأحمق ، ومن أجل هذا تسمعه الآذان ولا تخشع له القلوب ، أما تحذير الإمام فينبعث من واقعه وكيانه ومن لحمه ودمه ، وينطلق إلى القلوب ليهزها من الأعماق . ( انما المرء في الدنيا غرض تنتضل فيه إلخ ) . . الغرض : الهدف ، وتنتضل ترمي ، والمعنى ان سهام الدنيا ، وهي الكوارث والحوادث ، تنهال على رأس الانسان سهما بعد سهم ، وصاعقة إثر صاعقة حتى عند طعامه وشرابه ، بل وفي منامه يحلم بالكثير من المزعجات ، وقد تتحول إلى واقع حياته ، فتفقده الهدوء والراحة ( ولا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى ) كنعمة العزوبة والتحرر من المسؤولية ، تذهب بها نعمة الزواج والمشاركة في الحياة ، إن كان في هذه المشاركة حياة أو شيء من نعمة الحياة . وتقدم مثله بالحرف في الخطبة 148 . ( ولا يستقبل يوما من عمره إلا بفراق آخر ) المعنى واضح وتقدم أيضا في الخطبة 143 ( فنحن أعوان المنون إلخ ) . . أي الموت ، ونعينه على أنفسنا بفناء الأعمار مع الليالي والأيام ( ولم يرفعا من شيء إلخ ) . . ضمير التثنية لليل والنهار ، والمعنى ان متاع الدنيا قليل ، وانها قد تحلو وتبني القصور ، وتجمع الأموال ، ولكن لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجعتها ، فسرعان ما تهلك وتدمر .